in

قصة قلب متحجر

صعبة هى الحياة،ولكن أصعب منها نفوسنا البشرية التى قد تأمرنابالخير أو بالشر، ويا ويل من تسّول له نفسه السوء وينقاد لها بغير وازع من دين أو ضمير!من هنا تبدأ قصة صاحبى عبد الهادى،ذلك الطبيب الشاب الذىنشأ يتيم الأم، يفتقد حنانها ورعايتها ،ولكن من لطف الله أن عوّضه هو وأخيه حامد بأب عطوف رحيم يحب الخير لأبناءهويرعاهم أحسن رعاية، ولنترك عبدالهادى يحكى لنا قصته:( بدأت قصتى حين فقدت أمى عقب ولادة أخى الوحيد بعدة شهوروعمرى أنذاك ثلاث سنوات ،فتولى أبى صاحب الوظيفة الهامةتربيتنا وتفرغ لنا ورفض الزواج من أجلنا وأدى رسالته نحوناأحسن أداء بعدأن وجد نفسه مسئولاً عن ولدين يتيمين فكان يقوملنا بكل ما نطلبه بنفسه،حتى كعك العيد صنعه بنفسه وذهبنا معه إلى الفرن كما تفعل أمهات أصدقائنا معهم حتى لا نشعر بأى نقصعن غيرنا، وبذلك نشأنا بحمد الله متوازنين نفسياً نحب الناسوشديدىالإرتباط ببعضنا البعض ومتفوقين فى دراستنا)تمر الأيام بالشقيقان سريعاً سريعاً ،ويصل عبد الهادى إلى السنةالثالثة بكلية الطب،ويلتحق أخيه الوحيد حامد بالسنة الأولى بكليةالهندسة،وقجأة يرحل عنهم والدهم الطيب الحنون ويجدا نفسيهماوحيدين تماماً بلا أب وأم،ورغم صدمتهم الشديدة لرحيل والدهم فقد تماسكا وصمدا للمحنة التى يواجهانها،خاصة وقد تركهموالدهم مستورين إلى حد ما يواجهان الحياة بمعاشه ولكن بلا أىمورد آخر، وقد تفانى الشقيقان اليتيمين فى حب بعضهما البعضحتى أن حامد كان يقتصد من نصيبه فى المعاش ويقّتر على نفسهكى يعطى أخيه الأكبر عبد الهادى ما يشترى به كتب الطـــــــبالمرتفعة الثمن0نعود مرة أخرى إلى عبد الهادى يقص علينا ما مر عليهم من أحداث:( فى تلك الفترة إرتبطت عاطفياً بزميلة لى فى نفس الكليةوكعادتى مع شقيقى صارحته بكل شىء فبارك مشروع زواجى بزميلتى،بل وصمم بعد تخرجى من الكلية على أن أتزوج فى شقتنا تلك بمجرد أن ينتهى من دراسته التى لم يتبق على نهايتها سوىبضعة شهور ويسافر هوإلى أخوالى الذين يعملون فى بلد عربىمنذ سنوات،يعمل معهم ويبنى حياته، ولم يكتف بذلك بل قدم لى أيضاً نصيبه من مصاغ أمنا لكى أبيعه وأشترى بثمنه الشبكة لخطيبتى،هكذا كانت العلاقة بيننا حب وإخلاص وإنكار ذات إلى أقصى الحدود)تتوالى الأحداث بصاحبى عبد الهادى ويقترب موعد إمتحانبكالوريوس الهندسة لشقيقه حامد حتى لم يعد باقياً عليه سوى خمسة شهور فقط،ويضاعف حامد من جهده فى المذاكرة ورسماللوحات وإعداد مشروع التخرج ليحقق حلم أبيه رحمة الله عليهبأن يتخرج كل منا فى كليته، وفجأة بدأ يشعر بضعف مفاجىء فى إبصاره،وظن أخيه عبد الهادى أن ذلك يرجع إلى جهده الكبير وتركيزه فى رسم اللوحات الهندسية الدقيقة،وتدهورت حالة حامد النفسية،بل وأمتنع عن الذهاب إلى كليته ويتخبط فى الأثاث عندمايتحرك من مكان إالى مكان، حدث كل ذلك فى أيام معدودة، وأحس عبد الهادى بخوف شديد على أخيه وأصطحبه إلى أساتذته فىكلية الطب ،ثم إلى كل أساتذة الرمد فى مصر،وكانت الصدمة الرهيبة بأنهم أجمعوا على تشخيص واحد هو أنه يفقد بصرهتدريجياً، وأنه سيفقده نهائياً خلال أسابيع،وسيعيش ما بقى من عمره أسير الظلام!!وبالفعل حدث ما قاله الأطباءوفقد حامد بصره نهائياً ولازم الفراش وامتنع نهائياً عن الكلام،وحتى عن تناول الطعام وتغيير ملابسه،كل ذلك يحدث والألم يعتصرقلب عبدالهادىعلى ما حدث لأخيه حامد والدموع تنهمر من عينيه مدراراً! ويصاب حامد بحالة إكتئاب شديدة،ويتوالى شريط الذكريات أمامعينى عبدالهادىويتذكر صورة أخيه حامد وهو يقدم له مصاغ أمهكى يبيعه ويستعين به فى زيجته، وتضحيته بنفسه لإسعاده وإسعاد أى إنسان يستطيع مساعدته،ولنترك عبد الهادى يفضفض لنا:( ثقلت علىّ الأحزان بسبب ما حدث لأخى،فهتفت دون أن أدرىأكثر من مرة من بين دموعى:رحمتك بعبادك يا رب..رحمتك بعبادك يا رب،وتجلت رحمة ربى بنا بأن رزقنا أشخاصاً من الأقارب والجيران والأصدقاء ،علموا بمحنتنا فوقفوا إلى جوارنا ولازمونا ساعة بساعة يلبوا أى طلب نحتاج إليه ويقومون بأعمالالبيت ويتسابقون للقيام بأى شىء نطلبه ،ويخففون عنى حالة اليأس والإكتئاب التى أصابتنى بسبب حزنى على أخى حامد،وذاتيوم تشجعت قليلاً وبدأت أحّدث شقيقى بالدين مرة وبالمنطق مرةأخرى، أحّدثه عن أجر الصابرين عند ربهم وأن الله عز وجل إذا أحب عبداً إبتلاه، بل وذهبت إلى أحد مراكز رعاية المكفوفين وتعلمت من أساتذته كيف أجعل الحياة بالنسبة لشقيقى أكثر سهولة،وأقنعت شقيقى بأن يستسلم لإرادة ربه وأن يستعيد إقباله على الحياة ، وبدأ شقيقى يستجيب لإلحاحى فبدأ يخرج من سجن سريره الذى لا يغادره ويتجول فى الشقة قليلاً ،ثم بدأ يستقبل أصدقائه، وأحضرت له مدرساً ليعلمه الكتابة بطريقة برايل.)خلال تلك الفترة لاحظ عبدالهادى أن خطيبته نسرين لم تكن بجواره،واكتشف فجأة أنها ابتعدت عنه وعن مشاكل أخيه قليلاً،ولكنه وجد عليه لزاماً أن يخبرها بالتطورات التى طرأت على خطتهم المستقبلية للزواج وهى أن أخيه حامد (الكفيف)سوف يقيممعهم فى أى مكان يعيش فيه لأنه وحيد فى هذا الكون الواسع الفسيح،ليس له سند أو معين بعد الله عز وجل ســــــــوى أخيهعبدالهادى،وعلى غير التوقع وافقت نسرين خطيبة عبد الوهاب على أن يقيم أخيه الضرير معهم فى نفس الشقة نظراً لظروفهالحرجة،وتتوالى الأحداث ويتزوج عبدالهادى ويقيم معه شقيقه حامد فى نفس الشقة،وكان حامد نظراً للظروف التى طرأت عليهقد حوّل أوراقه إلى كلية الآداب، وتمر شهور الزواج الأولى سعيدةهادئة حتى تنجب نسرين مولودها الأول،ويحدث تغيير جذرى فى أسلوب معاملتها للشقيق الضرير المسكين حامد،وبدأت تسىءمعاملته وتسخر منه وتنهره إذا اصطدم بشىء وهو لا يرد ولا يشكو ويتألم فى صمت،بل وبدأت زوجة أخيه تشكو من أنها لاتستطيع أن تنفرد بزوجها فى حياة خاصة كما تفعل كل زوجة،ويزداد الأمر سوءاً بعد أن تنجب نسرين طفلها الثانى ،وكان حامدقد أنهى دراسته التى بدأها فى كلية الآداب،والتحق بعمل دخله قليل ولكن يبقيه خارج البيت أطول فترة ممكنة فراراً من اضطهادزوجة أخيه له!! أما فترة بعد الظهر فقد كان يذهب مع أخيـــــــــهعبدالهادى إلى النادى أو إلى أحد الأصدقاء ،ويتركه عبدالهادى فترة طويلة مع ذلك الصديق ليعود ويصطحبه ثانية إلى المنزل،بلكثيراً ما كان عبدالهادى يترك حامد ينتظره فى السيارة بالساعاتبلا ملل أو شكوى حتى ينتهى من أعماله وإرتباطاته وذلك حتى لا يبقى فى البيت فتتضايق منه زوجته نسرين، وتمر الأحداث سريعةويحدث ما لايحمد عقباه بإستمرار اضطهاد نسرين لحامد،ويلتمس حامد لها الأعذار،بل ويبرر لأخيه عبدالهادى تصرفات زوجته وأنه من حق كل زوجة أن يكون لها بيت مستقل وحياتها الخاصة،وتمضى الأسابيع والشهور على هذا المنوال حتى حدث ذات يومأن اصطدم حامد(الضرير) بإناء الطعام أثناء تحركه فى الشقة دون قصد، فما كان نسرين زوجة أخيه إلا أن دفعته بعصبية شديدةوقسوة ففقد حامد توازنه وسقط على الأرض، فلم يتمالك عبد الهادى نفسه إلا وهويصفع زوجته بسبب ما حدث،وتغضب نسرينوتصر على العودة إلى مصر مع طفليها،ولم يتحمل صاحبى عبد الهادى ما حدث فينهى عقده فى الدولة العربية التى يعمل بها،ويعود مع أخيه الضرير حامد إلى مصر،ويحاول حامد الإصلاح بين أخيه وزوجته،بل ويذهب إليها فى بيت أهلها لإقتاعها بالصلحوالعودة إلى المنزل،ولكنها تضع لذلك شرطاً قاسياً لا يصدر إلا منقلب متحجر،هو أن يتخلى عبدالهادى عن أخيه الضرير نهائياً!!ويتعقد الموضوع،ويصبح عبد الهادى بين نارين،واجبه نحوأخيهالضرير وكيف يتخلى عنه،وواجبه نحو بيته وأسرته وأولاده!! وبالطبع يتمسك عبد الهادى بأخيه الضرير حامد ويرفض التخلىعنه! وكيف ينسى أو يتجاهل فضل رعاية الكفيف وأجره عند منلا تضيع عنده الأجور، كيف ينسى حديث رسول الله صلى الله عليهوسلم( منَ لا يرحم الناس لا يرحمه الله) فالرحمة فوق العدل دائماًويسرح عبد الهادى بعيداً،بعيداً فى بحلر أفكاره ويتذكر أبيات من الشعر حفظهما فى صباه:من يرحم الخلق فالرحمن يرحمهويرفع عنه الضر والباســـــــــــــــــــــاففى صحيح االبخارى ورد مفصلاًلا يرحم الله من لا يرحم الناســـــــــــــا

المصدر: قصص وحكايات

موقع شعلة للمحتوى العربي#شعلة #موقع- شعلة#شعلة-دوت-كوم #شعلة كوم

This post was created with our nice and easy submission form. Create your post!

هل أعجبك المقال؟

تم النشر بواسطة قصص وحكايات

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0

Comments

0 comments

شاهد اول صورة من فيلم Uncharted المرتقب..

قصيدة عبد الرزاق عبد الواحد (سفر التكوين)