in

حركة غير عادية تحت أقدامنا.. تُزيح الحقل المغناطيسي للأرض

اعتدنا أن نرى نتائج تفاعلات جوف الأرض تطفو إلى السطح على شكل براكين وزلازل وأمواج تسونامي وغيرها. اليومَ نشهد ظاهرة غير عادية لم تحصل خلال عشرات آلاف السنين: تدفُّقات مغناطيسية عملاقة شاذة تؤثر على الحقل المغناطيسي الذي ترتديه الكرة الأرضية، والذي يجعل الحياة ممكنة عليها.

ولطالما انبهر العلماء بظاهرة تأرجح أو انزياح القطب المغناطيسي الشمالي للأرض، وهو الموقع الذي يشير فيه الحقل المغناطيسي عمودياً للأسفل، ولكنهم بقوا عاجزين عن فهم سبب ذلك.

أما اليوم، فقد توصَّلت دراسات جديدة إلى أن القطب المغناطيسي الشمالي يبتعد عن موطنه التقليدي في القطب الشمالي الكندي ويتجه نحو سيبيريا بسبب تصادمٍ عنيفٍ بين تدفقين مغناطيسيين سلبيين على خط التماس بين “نواة الأرض الخارجية” وطبقة “الوشاح” على عمق 3 آلاف كيلومترات تقريباً تحت أقدامنا.

واكتُشف الحقل المغناطيسي للأرض لأول مرَّة عام 1831م على يد ضابط البحرية البريطاني يُدعى جيمس كلارك روس في شبه جزيرة بوثيا في إقليم نونافوت بكندا. ولم يطل الوقت حتى بدأ العلماء بقياس موقعه بعناية منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا. ولاحظوا باكراً أنه يتأرجح ذهاباً وإياباً بحدودٍ ضيقة.

لكن هذا التأرجح تحوَّل منذ بداية سبعينيات القرن الماضي إلى انزياحٍ من دون توقف نحو سيبيريا. وفي أواخر أكتوبر 2017م، عبر القطب المغناطيسي الشمالي “خط التاريخ الدولي” (خط افتراضي على الكرة الأرضية، منه يبدأ اليوم وإليه ينتهي ويمر على خط طول 180 درجة عند مدينة غرينتش البريطانية)، ويقترب الآن من “القطب الجغرافي” (أحد طرفي محور دوران الأرض).

لاحقاً، تمكَّن العلماء بواسطة أدلة جيولوجية من تسجيل تاريخ الانزياحات خلال الحقب التاريخية السحيقة، وعلموا أن القطبين قد انزاحا، بل وتبادلا الأماكن عدة مرَّات على مدار تاريخ الأرض الطويل. فأصبح القطب الشمالي هو الجنوبي والقطب الجنوبي هو الشمالي. لكن الأمر المختلف في هذا الانزياح الأخير هو سرعته مقارنة بسجله التاريخي.

وللمجال المغناطيسي أهمية قصوى للحياة على الأرض؛ لأنه يصد معظم الرياح الشمسية، التي تعرِّي جزيئاتها المشحونة طبقة الأوزون التي تحمي الأرض من الأشعة فوق البنفسجية الضارة. وعلى الرغم من أن هذا الانزياح لا يشكِّل خطراً على حياة الأفراد الصحية، لكنه قد يشكِّل في المستقبل مخاطرَ كبيرة على التقنيات الرقمية وأنظمة الملاحة المختلفة.

البحث عن منشأه تحت الأرض

لفهم حركة الحقل المغناطيسي المحيط بكوكب لأرض لا بد من فهم تركيبها الداخلي الذي يتألَّف من ثلاث طبقاتٍ رئيسة:1 – القشرة الخارجية، التي تتألف من صفائح تكتونية عديدة منفصلة، يتراوح سمكها بين 5 و70 كيلومتراً، وتعوم على طبقة الوشاح اللزجة.2 – طبقة الوشاح، التي تتوسط نواة الأرض والقشرة الخارجية الرقيقة، وسماكتها حوالي 2900 كيلومتر. وتتراوح حرارتها بين 200 درجة مئوية عند ملامستها القشرة و4000 درجة عند ملامستها النواة.3 – النواة، وتتألَّف من قسمين:أ – النواة الداخلية، التي هي كرة معدنية صلبة ضخمة يبلغ قطرها حوالي 2400 كيلومتر. وبالرغم من أن حرارتها عالية جداً، حيث تماثل حرارة سطح الشمس، أي بين 5000 و7000 درجة، إلا أن الضغط العالي عليها يمنع معدنها من الذوبان.ب – النواة الخارجية، سماكتها حوالي 2300 كلم، وتبلغ حرارتها بين 4000 عند ملامستها الوشاح و5000 درجة عند التماس مع النواة الداخلية، ومعادنها سائلة، حيث لا يوجد هناك ضغطٌ كافٍ لبقائها صلبة على الرغم من حرارتها العالية. وهي المسؤولة عن تكوُّن الحقل المغناطيسي للأرض بفعل تدفق تيارات المعادن السائلة التي تولد تيارات كهربائية.

استنتجت دراسات “المغناطيسية القديمة” لحمم الحقبة السحيقة المبكرة في أستراليا، أن الحقل المغناطيسي كان موجوداً منذ حوالي 3500 مليون سنة على الأقل. واعتقد العلماء سابقاً أن مصدر هذا الحقل هو النواة الداخلية المعدنية الضخمة التي تتصرَّف بالطريقة نفسها التي يتصرَّف بها قضيب ممغنط. ولكن في درجات الحرارة المرتفعة، تفقد المعادن خواصها المغناطيسية. لذا من الواضح أن نواة الكرة الأرضية المعدنية الساخنة بحد ذاتها ليست هي ما يولّد المجال المغناطيسي حول كوكبنا، بل هناك آلية أخرى أكثر ديناميكية.

تأثير الدينامو

يعرف العلماء اليوم أن المجال المغناطيسي للأرض بدأ بالتكوُّن عندما بدأت النواة الداخلية الحديدية السائلة تتصلب، ما أدَّى إلى إثارة الحديد السائل، المحيط بها في النواة الخارجية، الأمر الذي أدَّى بدوره إلى تدفُّق تيارات معدنية سائلة ولَّدت تيارات كهربائية قوية، جعلها دوران الأرض على محورها دوارةً، فولَّدت مجالاً مغناطيسياً يمتد بعيداً إلى الفضاء. وتُعرف هذه العملية بـ “تأثير الدينامو”.إن كل تيارٍ كهربائيٍ دوار، ينشأ عنه مجال مغناطيسي. ويطلق العلماء على هذا التأثير تعبير “الجيودينامو”.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الحقل المغناطيسي، الناتج عن الجيودينامو، مهم للغاية؛ للحفاظ على الغلاف الجوي للكرة الأرضية، لأنه يحميه من التسرب إلى الفضاء الخارجي، كما حدث على الأرجح للغلاف الجوي على كوكب المريخ. فالمريخ لا يحتوي على معدن سائل متدفق في قلبه، ولا ينتج بالتالي تأثير الدينامو نفسه. فأدى ذلك إلى أن تُرك الكوكب مع مجال مغناطيسي ضعيف للغاية، سمح بتجريده من الغلاف الجوي بسبب الرياح الشمسية.

اكتشاف ديناميكية الحقل المغناطيسي

تمثل الإزاحة السريعة للحقل المغناطيسي مصدر قلق لكافة أنظمة الملاحة التي تعتمد على الحسابات الدقيقة لموقع القطب، مما أجبر مراكز البيانات الجيوفيزيائية في كافة أنحاء العالَم على مراجعة تحديثاتها المعتادة للنموذج المغناطيسي العالمي باستمرار. وربما تجبر، في المستقبل غير البعيد، الكثير من تقنياتنا الإلكترونية على سطح الأرض وفي المدارات على التكيف مع هذه التغيرات.

إن تثبيت فهمنا الدقيق لتاريخ هذه التغيرات مهمٌ للغاية. لكن كيف لنا أن نفهم تاريخ شيء لا يترك أثراً كما تترك جذوع الأشجار مثلاً علاماتٍ قويةً على أحوال المناخ، أو تآكل الكربون 14 لمعرفة عمر الصخور وغيرها؟

لحسن الحظ بالنسبة للجيولوجيين، يترك المجال المغناطيسي علامة لا تُمحى على قشرة الأرض: إذ تتجمد المعادن الممغنطة في مكانها داخل الصخور النارية الصلبة (صخور متكوِّنة من الصهارة البركانية المتبردة)، محافظة على وضعها واتجاهها الأساسي كما كانت في تلك الحقبة التاريخية، مما يوفِّر أدلة على اتجاه المجال المغناطيسي في ذلك الوقت قبل تبريدها. ولم تكن هذه الظاهرة معروفة قبل قرن.

ويمكننا أن نتخيل مفاجأة عالم الجيوفيزياء الفرنسي برنار برونيز، قبل اكتشاف هذه العلامات، عندما وجد في عام 1906م صخوراً بركانية ممغنطة في الاتجاه المعاكس لما يجب أن تكون عليه، ولم يجد تفسيراً لذلك. بعد هذا الاكتشاف، ظهرت فرضيات جيوفيزيائية تقول إن الحقل المغناطيسي لم يكن ثابتاً، لا بل كان في فترات تاريخية معكوساً.

كان أول من أثبت ذلك بعد عشرين عاماً، عالِم الجيوفيزياء الياباني موتونوري ماتوياما، الذي اختبر شكوك برونيز حين بدأ عام 1926م بجمع عيِّناتٍ من البازلت في منشوريا واليابان. وقدَّم أول دليل ملموس على أن مجالنا المغناطيسي متذبذب إلى حدٍّ ما، ولم يسر دائماً في الاتجاهات نفسها، وذلك عندما نشر عام 1929م ورقة تثبت أن هناك ارتباطاً واضحاً بين وضعية القطبية وتركيب طبقات الأرض.

باقي المقال

المصدر:alarabiya حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية

This post was created with our nice and easy submission form. Create your post!

This post was created with our nice and easy submission form. Create your post!

هل أعجبك المقال؟

تم النشر بواسطة أخبار العالم

حركة غير عادية تحت أقدامنا.. تُزيح الحقل المغناطيسي للأرض 2

هذه قصة ميكانيكا الكم التي زعزعت الصورة القديمة للكون 2