in

حركة غير عادية تحت أقدامنا.. تُزيح الحقل المغناطيسي للأرض 2

باقي مقال  حركة غير عادية تحت أقدامنا.. تُزيح الحقل المغناطيسي للأرض

وأشار إلى أنه في العصر البليستوسيني المبكر، بدأ الحقل المغناطيسي بالانزياح، وأخذ لاحقاً شكل القطبية الحالية المعكوسة عما كانت عليه قبل 780000 سنة. وهذه الفترة التي يمتد تاريخها من 2.58 إلى 0.78 مليون سنة مضت، تسمى الآن “كرون ماتوياما المعكوس”. ويطلق على فترة الانتقال إلى القطبية الحالية لحقل الأرض بعد ذلك، أي الفترة من 780,000 سنة إلى وقتنا الحالي “انعكاس برونيز-ماتوياما” على أساس أن برونيز هو أول من لاحظ الشذوذ، وماتوياما من أثبته.

قبل هذا الاكتشاف، وعندما تم تحديد الموقع الدقيق لقطب الأرض المغناطيسي لأول مرَّة في عام 1831م، كان موقعه في الزاوية الكندية من القطب الشمالي، على شبه جزيرة بوثيا في إقليم نونافوت. وكان موقع القطب المغناطيسي الشمالي يتمايل بحدود ضيقة ذهاباً وإياباً كما أسلفنا. واعتقد العلماء في حينه أن هذا التمايل هو من طبيعته.

لكن بدءاً من سبعينيات القرن الماضي أصبح لديه اتجاهٌ وسيرٌ في خط مستقيم بسرعة متزايدة. وقد سَجلت مجموعات جديدة من القياسات هذا الانجراف الموضعي شمالاً بما معدله 15 كيلومتراً كل عام. ومنذ تسعينيات القرن الماضي، تضاعفت سرعة هذه الحركة أربع مرات، إلى معدّل حالي يتراوح بين 50 و60 كيلومتراً سنوياً. وفي عام 2017م، كان القطب الشمالي المغناطيسي قد أصبح على بعد 390 كيلومتراً من القطب الشمالي الجغرافي. وكانت الحركة سريعة للغاية، حتى إن المسح الجيولوجي البريطاني ومركز البيانات الجيوفيزيائية الوطني الأمريكي، اللذين يقومان بتحديث النموذج المغناطيسي العالمي، كان عليهما تسريع العمليات من أجل مواكبة ذلك.

أدلَّة غير كافية!؟

يقول عالِم الجيوفيزياء أندرو روبرتس من الجامعة الوطنية الأسترالية: “حتى مع المجال المغناطيسي القوي للأرض اليوم، ما زلنا عُرضة للعواصف الشمسية التي يمكن أن تضر بمجتمعنا القائم على الكهرباء. إذا تعثر الحقل، فنحن نريد أن نعرف عنه قبل وقت طويل من حدوثه. ولسوء الحظ، لا نعرف حقاً ما هي القرائن التي يجب البحث عنها. فالصخور النارية تقوم بعمل جيد لالتقاط التحركات الطويلة الأجل لاتجاه المجال المغناطيسي، ولكننا لا نستطيع غالباً رصد الحركات الدقيقة جداً المنعكسة على سطح الأرض”.

لذلك، سعى روبرتس، جنباً إلى جنب مع فريق دولي من الباحثين، للحصول على مصدر أدق وأقصر مدى. ولم يطل البحث حتى وجدوا ضالتهم في أعماق كهف في مقاطعة قويتشو، جنوب غرب الصين، تحوي صواعد (رواسب كلسية متدلية) تحمل سجلاً مثالياً لما يريدونه. وقد نشروا نتائج أبحاثهم في مجلة الجامعة الوطنية الأسترالية 21 أغسطس 2018م.

هذه الصواعد، التي تحوَّلت إلى نوع من الصخور يبلغ طولها حوالي المتر، بدأت بالترسب لأول مرَّة منذ حوالي 107 آلاف سنة. وخلال الـ16 ألف سنة التالية، استمرت في تجميع طبقات من المعادن المذابة التي تضمَّنت مرّكباً حديدياً يسمى “ماغنيتايت”، مما يسجل معلومات مفيدة عن المجال المغناطيسي.

قُطِّعت الصواعد إلى أكثر من 190 عيِّنة تم تحليلها باستخدام مقياس مغناطيسي “تبريدي عميق” عالي الدقة، مما يوفِّر دقة على مدى قرن من اتجاه المجال المغناطيسي للأرض وقوته قبل 100 ألف سنة.

ومن بين عديد من الانزياحات الأصغر في القطبية، اكتشفوا انعكاساً سريعاً حصل قبل حوالي 98,000 سنة استمر لمدة قرن أو قرنين، قبل الانزلاق مرَّة أخرى إلى ما كان عليه.

بالمقاييس الجيولوجية، هذا التغير قصير بشكل مثير للصدمة، ويمكن أن يشير إلى أن أي تغييراتٍ كبيرة على غلافنا الواقي ستكون مفاجِئة ولن تأتي مع كثير من التحذير. ويقول روبرتس: “يقدِّم السجل رؤى مهمة حول سلوك المجال المغناطيسي القديم، الذي تبيَّن أنه يتغير بسرعة أكبر بكثير مما كان يُعتقد سابقاً. في مساره الحالي، يمكننا أن نتوقَّع أن يكون في أي مكان بين 390 و660 كيلومتراً على طول رحلته خلال عشر سنوات، مما يجعله داخل الحدود الشمالية لبحر سيبيريا الشرقي”.

سبب الانزياح

لن تكون الأدلة المهمة الموصوفة سابقاً صلبةً وكافيةً لأخذ الاحتياطات اللازمة، ما لم تتوفر فعلاً فكرة قوية عن الآليات المادية وراء هذه الإزاحة، مما يسمح بتنبؤات دقيقة للحركات المغناطيسية للكوكب.

للوصول إلى هذا الهدف، استعرض علماء الأرض فيليب ليفرمور وماثيو بايليف من جامعة ليدز في المملكة المتحدة، وكريستوفر فينلي من الجامعة التقنية في الدانمارك، 20 عاماً من البيانات المغناطيسية الأرضية من الأقمار الاصطناعية للبعثة التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية. ووجدوا أن هناك تنافساً وتصادماً بين تدفقين مغناطيسيين مختلفين على شكل طفرتين أو فقاعتين عملاقتين من المعادن المنصهرة واحدة بالقرب من كندا والثانية بالقرب من سيبيريا.

وتبيَّن أنه بين عامي 1970 و1999م، ظهر تغيرٌ في التفاعلات بين طبقة الوشاح اللزجة المتدفقة ونواة الأرض الصلبة والكثيفة، مما أوجد هاتين الطفرتين اللتين كانتا واحدة. وبسبب هذه التغيرات، يقول الباحثون، فإن الطفرة المغناطيسية التي كانت كامنة تحت كندا تمددت ببطء، وفي نهاية المطاف، انقسمت إلى قسمين وانزاح القسم الأقوى ببطء نحو الشمال. ووجد الباحثون أنه في الفترة من 1999 إلى 2019م، بينما كانت الطفرة الواقعة لجهة كندا تضعف، تكثفت الثانية الواقعة لجهة سيبيريا، مما حفز القطب الشمالي المغناطيسي على الانزلاق أقرب وأقرب إلى سيبيريا، حيث كانت القوة المغناطيسية أكبر.

ولفهم إلى أين يمكن أن يصل هذا الانزياح في المستقبل، أنتج العلماء سلسلة من النماذج لحركة نواة الأرض. وقال المؤلف الرئيس للدراسة، الجيوفيزيائي فيل ليفرمور من جامعة ليدز، لـ “لايف ساينس 12 مايو 2020م: “توقعاتنا هي أن القطب سيستمر في التحرك نحو سيبيريا، لكن التنبؤ بالمستقبل صعب ولا يمكننا التأكد”.

كما أشار الباحثون في تقريرهم الذي نشر مؤخراً في مجلة “نيتشر جيوساينس” 5 مايو 2020م: “ينمو هذان الشذوذان المغناطيسيان ويتقلصان بمرور الوقت، ولهما تأثير عميق على المجال المغناطيسي الذي نراه على السطح. إن معرفة كيف يتحركان لها أهمية خاصة”.

وعلى الرغم من أن بإمكاننا توقُّع أن يستمر القطب في الانزياح لفترة أطول قليلاً، إلا أنه لا يخبرنا بدقة عن المكان الذي سيتوقف عنده، أو متى سيتوقف، أو متى قد يعود. وذلك لعدم معرفتنا الكافية عما يجري بدقة أكبر داخل أحشاء كوكبنا.

المصدر:alarabiya حقوق النشر محفوظة لمجلة القافلة، أرامكو السعودية

This post was created with our nice and easy submission form. Create your post!

This post was created with our nice and easy submission form. Create your post!

هل أعجبك المقال؟

تم النشر بواسطة أخبار العالم

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0

Comments

0 comments

ماذا لو.. تعطَّلت حاســــــة الشــــــــم؟

حركة غير عادية تحت أقدامنا.. تُزيح الحقل المغناطيسي للأرض