in

تمهيد كتاب الاقتصاد عارياً لتشارلز ويلان (الجزء الثاني)

ويتضح للمستهلكين العاديين أن علم الاقتصاد يمكن أن يكشف لهم الكثير من القضايا اليومية المعقدة مثل: لماذا يصعب على بعض الناس الاشتراك في تأمين صحي؟ لماذا نتوقف عند مطعم ماكدونالدز ونحن على أحد الطرق السريعة مع وجود الكثير من المطاعم الأخرى التي قد تصنع شطائر هامبرجر أفضل؟ لماذا يُقدم كثير من الطلاب على الالتحاق بجامعات مرموقة، في حين يوجد الكثير من المعاهد الأخرى التي توفر نفس التعليم الجيد وبمصروفات أقل بكثيرة هل تساءلت يوما عن علاقة مصطلحات مثل الاختيار السلبي» و «السلع العامة، ومعضلة السجينين، بحياتنا اليومية تلك إحدى المسائل التي يتناولها هذا الكتاب الرائع.

من المقولات الشائعة أنك إذا سألت عشرة رجال اقتصاد نفس السؤال ستحصل على عشر إجابات مختلفة. ولكن أراهنك أنك إذا سألت عشرة رجال اقتصاد لماذا يصعب العثور على سيارات الأجرة وشقق سكنية في مدينة نيويورك سيتي، سيخبرك العشرة أن الحدود المفروضة على عدد تراخيص سيارات الأجرة، والرقابة على الإيجارات، هي ما يقلل عدد المعروض من تلك السلع والخدمات. هناك بالتأكيد مواضع كثيرة يُجمع عليها رجال الاقتصاد. فهم يتفقون كليًا على أن التجارة الدولية الحرة يمكن أن تؤدي إلى تحسين مستوى المعيشة بالدول التي تعمل بها، وأن التعريفات الجمركية وحصص الاستيراد تقلل من رخاء البلاد تقليلا عامًا. كما يتفقون في مجملهم على أن الرقابة على الإيجارات تحد من حجم وجودة المساكن، ويجمعون كذلك في توقعاتهم أن مأساة 11 سبتمبر ۲۰۰۱ م المروعة ستؤدي إلى تقليص النشاط الاقتصادي. وقد علمت من تجربتي الشخصية في الجهاز الحكومي أن الاختلاف بين أراء الاقتصاديين وبعضهم (سواء كانوا محافظين جمهوريين أو ليبراليين ديمقراطيين) أقل بكثير من الاختلاف بين الاقتصاديين وبين العاملين والمجالات الأخرى. يتفق الاقتصاديون ذوو الرؤى السياسية المتضاربة فيما بينهم في معظم المسائل. كما يتحد أحيانا الاقتصاديون المنتمون لحزبين مختلفين إذا دخلوا وسط مجموعة من الساسة التابعين للحزبين.

وأعتقد أن السبب في ذلك هو أن رجال الاقتصاد برون العالم من منظور فريد من نوعه ، كما أن لديهم تفكيرهم الخاص عن كيفية حل المشاكل ، إذ يستلزم التفكير كخبراء اقتصاديين استخدام سلسلة من أفكار المنطق الاستدلالي عند تفسير مفاهيم سهلة مثل العرض والطلب ، كما يستلزم التعرف على سياسات الاستبدال ، وفي سياق مقيد ، عن طريق قياس تكلفة الإقدام على خيار ما ، بالمقارنة مع المنافع التي كان سيحصل عليها الفرد إذا كان اتبع الخيار الآخر ، ويطمح تفكيرهم إلى الفعالية – وهي الحصول على أقصى منفعة ممكنة من الموارد المحدودة . كما يتطلب النظر للأمور من منطلق حدي أو تزايدي ويسأل عن حجم المنافع الإضافية التي يمكن الحصول عليها إذا تحملنا تكلفة إضافية. بل ويدرك أن الموارد لها استخدامات متعددة، وأنه يمكن أن يجري الإحلال بين الموارد المختلفة لتحقيق النتائج المرجوة. وأخيرًا، يذهب الاقتصاديون إلى أن الرخاء الاقتصادي يأخذ التزايد إذا سُمح للأفراد باتخاذ اختياراتهم الخاصة، وكذلك يذعنون أن الأسواق المتنافسة تعد بمنزلة آلية في غاية الكفاءة للتعبير عن اختيارات الأفراد. وفي حين تتضمن كل المشاكل الاقتصادية قضايا معيارية. أي منظورات مختلفة عما يجب فعله ـ فإن التفكير كرجل اقتصاد يتطلب رؤية تحليلية تقوم عادة بتجريد ـ أو على الأقل تيسير – القضايا المتعلقة بالقيمة.

 يعرض هذا الكتاب الفريد المفاهيم الاقتصادية بطريقة مبسطة ليسهل على القارئ فهمها، فهو يتطرق إلى فوائد السوق الحرة التي تجعل حياتنا أفضل، كما يوضح لماذا تخفق الأنظمة الاقتصادية التي تخضع لأحكام مركزية في رفع مستوى معيشة المواطنين، بالإضافة إلى ذلك، يعرض الكتاب الدور المهم للحكومة في تأسيس البنية القانونية التي تعطي الفرصة لوجود الأسواق وتوفير السلع العامة. كما يشير إلى دور الحكومة في تصحيح الأوضاع عندما تتسبب السوق الحرة في تأثيرات خارجية غير مرغوب فيها، مثل تلوث البيئة، أو عندما تفشل أسواق القطاع الخاص في إنتاج بعض السلع التي يحتاجها المواطنون.

 هل تساءلت يوما لماذا كان يحصل مربو ماعز صوف الموهير على إعانات مالية من الحكومة الفيدرالية لعدة عقودة يتناول ويلان شرح كيف توصل رجال السياسة والاقتصاد إلى تلك النتيجة. هل تفهمت حقًا لماذا يعتبر دائما الان جرينسبان Alan Greerspan ثاني أكثر رجال الدولة نفوذا في الولايات المتحدة يزيل ويلان الغموض عن تأثير السياسة النقدية على النشاط الاقتصادي، هل فهمت جيدا المشهد الأخير من فيلم « تريدينج بليسيس » Trading Places عندما تعرض الأشرار للهزيمة في سوق العقود المستقبلية يضع ويلان نظرية العرض والطلب بين يدي القارئ . هل تساءلت ذات مرة هل كان مناهضو العولمة على جانب من الصواب، وعما إذا كانت الأوضاع الاقتصادية للدول المتقدمة أو النامية ستتحسن إذا قل الاندماج الاقتصادي بين الدول؟ يجعل ويلان كل تلك الأمور واضحة كالشمس. وعندما تقرأ في الصحيفة عن الخلافات الخاصة بالقضايا الاقتصادية الجارية، هل دائما ما تنزعج وتتغلب عليك الحيرة من تنافر وجهات النظر التي تقرؤها؟ يحلل ويلان التفاصيل ويخترق جدار السياسة ليكشف النقاب عن أهم النقاط. من هذا المنطلق ينجح في تحويل العلم الكثيب إلى نسيج حيوي مؤلف من الاقتصاد والسياسة بشكل الكيان السياسي والقومي لقد أسهم ويلان في إثراء القراء بمرشد اقتصادي ممتع في قراءته على نحو جذاب، فهو يجعل من القارئ مواطنا أكثر وعيا ويزيد من استيعابه بصورة أكبر للقضايا الاقتصادية المهمة اليومية عن طريق رد علم الاقتصاد إلى جذوره. ويبرهن على أن علم الاقتصاد يمكن شرحه دون رسوم بيانية، أو جداول، أو معادلات، كما يمكن أن يجعل منه علما غابة والتشويق، إن هذا الكتاب يمكن استخدامه كملحق تكميلي للمقررات الدراسية في الاقتصاد في الجامعات والمدارس الثانوية، والأكثر من ذلك، يمكن اعتباره كيانا قائما بذاته، كمقدمة لهذا المجال، سيغير حتما آراء الكثيرين ممن يرفضون دراسة علم الاقتصاد باعتباره جافا ويبعث على السأم. طالما فكرت أنا نفسي في كتابة ما بعد مقدمة أساسية في علم الاقتصاد، ولكن دائمًا تعترض المشاريع المنافسة بعضها بعضا، فلو كنت فعلت ذلك، لكان هذا هو الكتاب الذي أردت كتابته. 

بورتون ج . مالكيل 

برينكتون ، نيو جيرسي 

ديسمبر ۲۰۰۱ م 

This post was created with our nice and easy submission form. Create your post!

هل أعجبك المقال؟

تم النشر بواسطة sami Ahmed

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0

Comments

0 comments

تمهيد كتاب الاقتصاد عارياً لتشارلز ويلان (الجزء الأول)

تقديم كتاب أغنى رجل في بابل