in

الطاغية

مالم يحصل المواطن على حقوقه السياسية كاملة غير منقوصة، وعلى نحو طبيعى، فلا تكون منة أو هبة ، أو منحة من احد ، بل يعترف المجتمع أن للفرد حقوقه الطبيعية ، وكرامته ، بل وقداسته ، من حيث هو إنسان فحسب بغض النظر من أى شئ آخر. مما يحيط به سوى أنه إنسان ، فلا شان لدرجة الفقر أو الغنى ، أو نوع العمل الذى يؤديه ، أو جنسه ذكراً أو انثى ، أو ظروفه الأسرية ـ لا شان لهذه الأمور كلها بأن يكون لكل فرد من الناس إنسانيته الكاملة التى يعترف بها مجتمعه على نحو طبيعي ، بحيث ينحل الصراع بين السيد والعبد ، الذى أشار إليه هيجل ، من تلقاء ذاته ، فيعامل على أنه «غاية في ذاته» وليس «وسيلة» ، لشئ آخر أقول إنه ما لم ينل المواطن حقوقه كاملة : حقه في الحياة الآمنة ، وفى أن يملك ، وفى أين يعتنق ما يشاء من أراء ، وان يفكر ويعبّر عن أفكاره بحرية، وأن يعمل العمل الذى يهواه ، وان يشارك مشاركة فعالة في حكم نفسه عن طريق المجالس النيابية .. الخ ـ فلن يؤدى واجباته على نحو طبيعى – أعنى بالتزام داخلى ينبع من ذاته ، بل إنه سيؤدى ما يؤديه منها بسبب الخوف من العقاب ، (والخوف هو المبـدا الذى يرتكز عليه حكم الطغيان والاستبداد كما أشار مونتسكيو )- بحيث تظهر كل الرذائل فى سلوكه إذا أَمِنَ شرّ العقاب : فلا مانع من أن يكذب ، ويسرق ، وينافق ، ويغش ، ويخون .. الخ كلما سنحت له الفرصة !. ذلك لان الالتزام الأخلاقى الذى ينبع من داخل الفرد يحتاج إلى “وعى ذاتى ” – أى إلى شخصية إنسانية متكاملة ، فى حين أن النظام الاستبدادى يسرق هذا الوعى ، فلا يجعله يرتد إلى نفسه ، ولا يكون لدينا ، فى هذه الحالة ، سوى وعى ذى اتجاه واحد، ولهذا ذهب هيجل إلى أن الشرقيين لم يبلغوا قط مرحلة “الوعى الذاتى” بسبب الاستبداد الشرقي الشهير الذى مازال البعض منا يتشكك فى وجوده ويعتبره “خرافة” ( وانعدام الوعى بوجود الاستبداد هو فى حد ذاته كارثة اخرى ! ) – مع اننا نعيشه فى كل لحظة من لحظات حياتنا !.

كتاب الطاغية

مقتبس من مقدمة الطبعة الثالثة 1996م

أ.د. إمام عبد الفتاح إمام

This post was created with our nice and easy submission form. Create your post!

هل أعجبك المقال؟

تم النشر بواسطة شعلة

اني عشقتك نزار قباني

قصيدة الرسم بالكلمات: نزار قباني