in

إلى العالقين في الوحل

صرخات مؤلمة محزنة، لم تعد تطلق بين الحين والحين، بل شملت الزمان، وملأت الأرجاء والأجواء وكل مكان، تنادي على من يمكنه المساعدة، وتطلب مد يد العون للخروج من وحل زلت فيه القدم ولم يعد لصاحبها قدرة على الخروج، فكلما حاول ازداد تعلقا بالوحل وفي الوحل.. فهو يصرخ وينادي على من ينقذه أو يأخذ بيده ويخرجه..

نداء من قلوب حزينة لمراهقين ومراهقات، وشباب وشابات، بل لأزواج وزوجات، أغواهم الشيطان ونصب لهم شباكه حتى وقعوا في حباله، وعلقوا في أوحاله، فلما أدركوا أن طلب الأنس أوقعهم في صحراء الوحشة، وأن الألم حل محل اللذة، وأن الضيق والضنك والحسرة حلت في القلب بدلا من حلول السعادة والمتعة، فلما ضاقت القلوب، واستوحشت النفوس، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، راحوا يجأرون ويصرخون ويرسلون إلى من تؤمل منه المساعدة.. أنقذونا أدركونا أخرجونا من جب العذرة.

رسائل لا تحصى، واستغاثات لا تعد، لكنها في النهاية كأنها واحدة.. كلهم أو كلهن يقول:”أنا شابة أو شاب (وأحيانا يقول: “محافظ، ومن أسرة متدينة”).. كانت حياتي مشرقة واهتماماتي متعددة.. لم أكن عاديا.. فقد كنت طموحا أرتقب الفرص، وأبادر في الخير، فاعلا في المجتمع، محبوبا ممن حولي، كل شيء كان جميلا في حياتي الشخصية.

حتى جاء ذلك اليوم المشؤوم: حين وصلني رابط من مجهول، فتحته وتتبعت ما فيه، فانصدمت مما رأيت.. شاهدت صورا خليعة ومقاطع مخزية.. شعرت بالوحشة من أول وهلة.. فأغلقتها واستغفرت الله منها.. وتشاغلت بما حولي هنها. ولكن..بقيت الصور عالقة في ذهني.. وأحسست بالفضول نحوها.. وبالرغبة في الدخول عليها مرة أخرى.. هذه المرة أغلقت الباب والستار وتواريت عن الأنظار.. لتبدأ أولى خطواتي ومشواري مع الشيطان.. عبر تتبع المقاطع المخلة، والصور الماجنة الخليعة؛ حتى أدمنتها وألفتها، وتحولت من مجرد مشاهد إلى مدمن لكن مدمن قاذورات.

أصبحت أتابع كل جديد، وأبحث عن كل غريب.. أصبحت جزءا من يوميات حياتي، أفرغ لها الوقت، وأهيئ لها الجو.. تستثيرني.. تستهويني.. تلهب حرارة جسدي.. وتحول كل شيء من حولي إلى مثير.. الأقارب، والجيران، ونساء الشارع، حتى الصغار لا يسلم منهم جميعهم خيالي.

دقائق ماتعة صاخبة مثيرة، تثير حرارة الشهوة في جسدي، لكن يعقبها ندم وحسرة، واحتقار اللذات، أصبحت هذه الحرارة تؤرق بدني وتتعب جسدي، فلا تنطفئ إلا بالاستمناء، فوقعت في بلية أخرى جديدة ومعصية كبيرة.. وأخشى ألا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد أصبح الشيطان يؤزني على الرذيلة ويزينها لي، حتى أصبحت تلوح أمامي وأخشى من الوقوع فيها.

أصبحت حياتي بلا ألوان، ووجهي بلا إشراق، ومع أني ما زلت أحاول أن أحافظ على صلاتي، إلا أنها أصبحت بلا خشوع، ونزعت منها كل لذة، ولم أعد أستمتع بها ولا بأي طاعة كما كنت من قبل.. أصبحت ثقتي بلا ثبات، كرهت نفسي الخادعة، وأشفقت على الناس المخدوعة التي تراني في النهار رجلا رائعا، وهي لا تدري أني في الخلوات أسامر الشيطان وأجالس الهوى والأفلام.

صديق السوءاستشرت صديقا لي فهون على المسألة وقال: كل الشباب كذلك، وهي مرحلة وستمضي، غدا تتزوج وتكفيك زوجتك بالحلال، استمتع فنحن ضحايا غلاء المهور، وصعوبة المعيشة، وجمود التقاليد والأعراف.أعجبني كلامه في البداية ولكن سرعان ما أدركت أنه عون للشيطان، وسرعان ما بددت فطرتي غبار ادعائه ومشورته.

أرجوكم ساعدونيأرجوك ساعدني في الخروج من الوحل فقد سئمت القذارة.. ساعدني فهاتفي دوما في يدي، ونفسي ضعيفة، والمقاطع متيسرة والصور في كل مكان، والخنا والبلا يمكن الوصول إليه بضغطة زر.لقد سئمت حياة الشهوات، أريد أن أكون مؤمنا، أريد أن أكون طاهرا، أريد أن أكون إنسانا له قيمة.. لقد سئمت العيش كالبهيمة، أرجوك ساعدني.

.. إلى هنا تنتهي الرسالة، وهي كأخواتها لا تختلف في مضمونها إلا في بعض التفاصيل التي لا تغير من حقيقة المشكلة، ولا من حجم المعاناة.

الرد الجميلمرحبا بصديقي وأخي..مرحبا بالعائد، مرحبا بالتائب، مرحبا بالعاقل. رسالتك رغم مرارة ما فيها إلا أن دموع الندم قد تغسل المعاناة خلف أسطرك، والندم أول التوبة. فأسأل الله أن يتوب عليك.لكن سامحني يا صديقي؛ وتحملني إن قسوت قليلا عليك؛ فإني لا أجد لك عذرا، فيدك التي بحثت، وعينك التي نظرت، وقلبك الذي انقاد خلف شهوتك. وأنت الذي أطعت نفسك الأمارة بالسوء فنسيت ربك ووقعت في هذه المعصية المشؤومة. فعصيت ربك بما وهبك، وغفلت عما نهاك عنه، وما استحيت من نظره إليك واطلاعه عليك.

. أما تستحي يا صديقي أن تعصيه بما وهبك، وتخالفه بما أمرك؟. أما تستحي من نظره إليك، وستره لك، وتفضله عليك؟. كم من محروم من البصر وأنت بما رزقت تعبث؟. كم من الأوقات أضعت وأنت وراء الرذيلة تلهث؟. أيسرك يا صديقي أن تموت وبهذه الهيئة تبعث؟

. أترضى أن يراك من الناس من تحب؟. أترضى أن يراك من الناس من تخاف منه؟. أترضى أن يراك من الناس من تطـمع فيه؟. والدك، والدتك، أبناؤك، زوجك، صديقك، رئيسك، مرؤوسك، أو صاحب وجاهة في قومك؟.. لا أظنك ترضى أن يروك.. فهل ترضى أن يكون الله أهون الناظرين إليك؟

.مؤلم يا صديقي ألا تستحي من نظر الله إليك..ومؤلم أن تتوقف عن متابعة المقطع ليس لأن قلبك قد تحرك،ليس لأن دينك قد تحرك،ليس لأن إيمانك قد تحرك..ولكن لأن باب الغرفة من الهواء تحرك.أما سمعت قول ابن عباس رضي الله عنك فيك وفي أمثالك: “يَا صَاحِبَ الذَّنْبِ، لا تَأْمَنَنَّ مِنْ سُوءِ عَاقِبَتِهِ، وَلَمَا يَتْبَعُ الذَّنْبَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ إِذَا عَلِمْتَهُ، فَإِنَّ قِلَّةَ حَيَائِكَ مِمَّنْ عَلَى الْيَمِينِ وَعَلَى الشِّمَالِ، وَأَنْتَ عَلَى الذَّنْبِ، أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي عَمِلْتَهُ، وَضَحِكُكَ وَأَنْتَ لا تَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ بِكَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ، وَفَرَحُكَ بِالذَّنْبِ إِذَا ظَفَرْتَ بِهِ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ، وَحُزْنُكَ عَلَى الذَّنْبِ إِذَا فَاتَكَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ إِذَا ظَفَرْتَ بِهِ، وَخَوْفُكَ مِنَ الرِّيحِ إِذَا حَرَّكَتْ سِتْرَ بَابِكَ وَأَنْتَ عَلَى الذَّنْبِ وَلا يَضْطَرِبُ فُؤَادُكَ مِنْ نَظَرِ اللَّهِ إِلَيْكَ أَعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ إِذَا عَلِمْتَهُ”.أما بلغك قول ربك سبحانه واصفا حالك ومتحدثا عنك وعن أمثالك: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله هو معهم}.

أتظن أن النظر إلى الحرام ذنب واحد؟لا والله… إنه ذنب في ذنب، بل ذنوب في ذنب.ظاهرة المعصية والشهوة، وباطنه سوء أدب وجرأة على الواحد الأحد.أغرك أنك لا تراه؟.. فإن لم تكن تراه فإنه يراك، والله.. لو عظمته ما عصيته، ولو عرفت قدره ما استهنت بأمره.

مؤلم يا صديقي أن تكون أمام الناس قديسا، وفي الخلوات زنديقا، مؤلم أن تحارب إبليس في الظاهر وأنت من أتباعه وأعوانه في الباطن.تحتجب عن الناس وتستحي منهم وتظن أنك في خلوتك وحدك. هيهات هيهات.إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل .. خلوت. ولكن قل علي رقيبولا تحســبن الله يـغـفــل ســاعة .. ولا أن ما تخفــيه عنه يغـيب

المصدر:اسلام ويب#موقع شعلة للمحتوى العربي #شعلة #موقع #شعلة #شعلةدوت_كوم#شعلة.كوم

This post was created with our nice and easy submission form. Create your post!

This post was created with our nice and easy submission form. Create your post!

هل أعجبك المقال؟

تم النشر بواسطة إسلاميات

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0

Comments

0 comments

الرياضة عند شباب الصحابة

عولمة الأخلاق.. وأثرها على الشباب المسلم